ابن تيمية
147
مجموعة الرسائل والمسائل
وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع ، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة . ومن الجهمية المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون أن كلام الله مخلوق وأن الله وإنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء ، وأنه لا يرى في الآخرة ، وأنه ليس مبايناً لخلقه ، وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب رسله وإبطال دينه . وأما قول الجهمي : إن قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت ، والحرف والصوت محدث ، ومن قال أن الله كلم موسى بحرف وصوت فهو كافر ، فيقال لهذا الملحد : أنت تقول إنه كلمه بحرف صوت ، لكن تقول بحرف وصوت خلقه في الهواء وتقول أنه لا يجوز أن تقوم به الحروف والأصوات لأنها لا تقوم إلا بمتحيز ، والباري ليس بمتحيز ومن قال أنه متحيز فقد كفر . ومن المعلوم أن من جحد ما نطق به الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ممن أقر بما جاء به الكتاب والسنة . وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة أن العقل معه قال له الموافق للنصوص : بل العقل معي وهو موافق للكتاب والسنة فهذا يقول إن معه السمع والعقل ، وذاك إنما يحتاج لقوله بما يدعيه من العقل الذي يبين منازعه فساده ، ولو قدر أن العقل معه . والكفر هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئاً علم بنظر العقل يكون كافراً ، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفراً في الشريعة . وأما من خالف ما علم أن الرسول جاء به فهو كافر بلا نزاع ، وذلك أنه ليس في الكتاب والسنة ولا في قول أحد من سلف الأمة وأئمتها الإخبار عن الله بأنه متحيز أو أنه ليس بمتحيز ، ولا في الكتاب والسنة أن من قال هذا وهذا يكفر ، وهذا اللفظ مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد أسماء مبتدعة لا أصل لها في الكتاب والسنة ، بل يستفسر هذا القائل إذا قال أن الله متحيز أوليس بمتحيز فإن قال أعني بقولي أنه